ابن الأثير
563
الكامل في التاريخ
فكان ولده أبو المؤيّد ، محمّد بن أبي إسماعيل ، يكتب الطّغراء مع الملك ، فلمّا وصل والده استوزره مسعود ، بعد أن عزل أبا عليّ بن عمّار ، صاحب طرابلس ، سنة ثلاث عشرة [ وخمسمائة ] بباب خويّ ، فحسّن ما كان دبيس يكاتب به من مخالفة السلطان محمود والخروج عن طاعته . وظهر ما هم عليه من ذلك ، فبلغ السلطان محمودا [ 1 ] الخبر ، فكتب إليهم يخوّفهم إن خالفوه ، ويعدهم الإحسان إن أقاموا على طاعته وموافقته ، فلم يصغوا إلى قوله ، وأظهروا ما كانوا عليه ، وما يسرّونه ، وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة ، وضربوا له النّوب الخمس ، وكان ذلك على تفرّق من عساكر السلطان محمود ، فقوي طمعهم ، وأسرعوا السير إليه ليلقوه وهو مخفّف من العساكر ، فاجتمع إليه خمسة عشر ألفا ، فسار أيضا إليهم ، فالتقوا عند عقبة أسداباذ ، منتصف ربيع الأوّل ، واقتتلوا من بكرة إلى آخر النهار . وكان البرسقيّ في مقدّمة السلطان محمود ، وأبلى يومئذ بلاء حسنا ، فانهزم عسكر الملك مسعود ، آخر النهار ، وأسر منهم جماعة كثيرة من أعيانهم ومقدّميهم ، وأسر الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود ، فأمر السلطان بقتله ، وقال : قد ثبت عندي فساد دينه واعتقاده ، فكانت وزارته سنة وشهرا ، وقد جاوز ستّين سنة ، وكان حسن الكتابة والشعر ، يميل إلى صنعة الكيمياء ، وله فيها تصانيف قد ضيّعت من الناس أموالا [ 2 ] لا تحصى . وأمّا الملك مسعود فإنّه لمّا انهزم أصحابه وتفرّقوا قصد جبلا بينه وبين الوقعة اثنا عشر فرسخا ، فاختفى فيه ومعه غلمان صغار ، فأرسل ركابيّة عثمان إلى أخيه يطلب له الأمان ، فسار إلى السلطان محمود وأعلمه حال أخيه مسعود ،
--> [ 1 ] محمود . [ 2 ] أصولا .